البكاء من خشية الله الاعلامى احمد طقش
النفس الشفافة قريبة من النور بل مليئة بالأنوار، وهي محط النبالة والمعالي، همها تحسس مواطن الجمال في كل الوجود، وحياتها محفوفة بالرهافة والرقة وطيب الخصال، وهذه النفس قد تكون مسكوبة في جسد امرأة أو طفل أو رجل، وتدفع صاحبها على اختلاف جنسه وجنسيته - على التعاطي مع المحيط بذوق عال، وعقل متبصر وحس رهيف، وعندما تشم هذه النفس رائحة البيان القرآني الرائعة وتتنعم بالبيان النبوي الأخاذ، تتحول إلى مضخة نوارة همها تعميم هذه الخيرات على الأنفس كلها .
هطول دموع العيون تعبير عن أحاسيس لينة جاشت بها النفس العالية في صعودها نحو المطلق، إن نفسا شهدت روح الصلاة لن تكون جامدة، ونفسا ذاقت لذة الصيام لن تكون صلبة، ونفسا تنعمت براحة الحج لن تكون متيبسة.
البكاء من خشية الله هدية من الله الكريم لرقيقي القلوب، حيث لاتغدو الدمعات متعبة بقدر ما تكون منعشة لروح الخاشعين والخاشعات .
البكاء من خشية الله هو تمظهر الخشوع وقد تجسد، فالخشوع هو تجلي عظمة الرب في القلب، والبكاء من خشية الله هو رهبة ممزوجة بشوق، ممزوج بتعظيم، ممزوج بحب غامر لله سبحانه وتعالى، وقد قال الحبيب الأعظم عليه الصلاة والسلام في فضل البكاء من خشية الله : ( لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ) .. الترمذي 1633
وخشية الله بالحقيقة هي خشية إغضابه والخروج عن مراده، وهي خاصية مميزة للعشاق الحقيقيين للمنهج الرباني القويم، حيث الحرص الدائب الدائم على أن ( يجدك الله حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك )
و أكثر مايكون هذا البكاء الروحاني اللطيف حينما تتعرض نفس المؤمن الزكية لآيات قرب الرحمن الرحيم من عباده المؤمنين ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب )البقرة186، ويكون أحيانا بطلب من ذات الله العلية، كان ابن عمر إذا قرأ ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) الحديد 16، بكى حتى يغلبه البكاء.
وهناك من أشرق القرآن على قلوبهم فصارت هذه القلوب أرق من نسائم الفجر العذبة وغدت كل آية من آياته مدعاة لخشوع القلب وانهمار العينين، وفي هذا بشارة نبوية عظيمة : (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) الترمذي 1639
فالعين تتبع القلب، فإذا رق القلب دمعت العين، وإذا قسى قحطت، قال ابن القيّم : ( ... ومتى أقحطت العين من البكاء من خشية الله تعالى فاعلم أن قحطها من قسوة القلب، وأبعد القلوب من الله : القلب القاسي )، وكان كثير من السلف يحب أن يكون من البكائين، ويفضلونه على بعض من الطاعات، كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : ( لأن أدمع من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من القلب الذي لا يخشع فيقول ( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها ) رواه مسلم2722
وللوصول إلى رتبة القلب الخاشع يجب :
1 معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله : لأن معرفة الله هي باب محبته ومحبته تقتضي طاعته وطاعته مؤنسة ومخشعة للقلب
2 قراءة القرآن الكريم وتدبر آياته : فالقرآن منارة القلوب الهادية إلى سعادة الدنيا وجنة الآخرة، والدوام على قراءته يورث لحياة القلب حياة جديدة جميلة
3 كثرة ذكر الله عزو جل : لأن الذكر مجلبة للأنس، والأنس مجلبة للخشوع، والخشوع مجلبة للبكاء من الخشية
4 الإكثار من الطاعات : لأن فيها استحضار معية الله جل جلاله
|